محمد بيومي مهران

46

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

يقول : « وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ » « 1 » ، وحيث يقول « وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ » « 2 » ، وحيث يقول « وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ ، مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ » « 3 » . وليس صحيحا كذلك ما ذهب إليه البعض من أنه لا شك أن إشارات القرآن الكريم إلى كثير من القصص ، إنما هو دليل على أنها كانت من القصص الشعبي السائد الذي كان يتداوله الناس في بلاد العرب « 4 » ، ذلك لأن العرب ما كانوا يعرفون شيئا عن كثير من قصص القرآن ، وعلى سبيل المثال ، فإن القرآن الكريم يختم قصة نوح بقوله تعالى « تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا » ، فلو كان العرب يعرفون هذه القصة مثلا ، وأنها كانت من قصصهم الشعبي الذي يتداولونه في أسمارهم ، أفكان العرب - وفيهم أشد أعداء النبي - من يسكت على قوله تعالى « ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا » ؟ أليس من المنطق أن أعداء المصطفى ، ( صلى اللّه عليه وسلّم ) - وقد كانوا دائما على يقظة يتمنون أقل ثغرة ، ليوجهوا من خلالها ضرباتهم ، ويحولوها إلى سخرية واستهزاء - سوف يجيبونه أنهم يعرفون القصة ، بل وأنها من أساطيرهم التي تفيض بها مجالسهم ونواديهم ، ولكن التاريخ لم يحدثنا عمن أنكر على الرسول هذه الآية الكريمة ، مما يدل على أن ما جاء به القرآن الكريم

--> ( 1 ) سورة المائدة : آية 48 ، وأنظر تفسير أبي السعود 3 / 33 وتفسير الكشاف 1 / 639 - 640 ، تفسير روح المعاني 6 / 151 - 155 ، تفسير الطبرسي 6 / 110 - 113 ، في ظلال القرآن 6 / 178 - 182 ( دار إحياء التراث العربي - بيروت 1961 ) ، تفسير الطبري 10 / 377 - 391 ( دار المعارف - القاهرة 1957 ) ( 2 ) سورة الإنعام : آية 92 ( 3 ) سورة فاطر : آية 31 ( 4 ) الأدب العربي الحديث ص 302 ( من مقررات طلاب البكالوريا الأدبية السورية ) ، محمد سعيد رمضان البوطي : من روائع القرآن - دمشق 1972 ، ص 237 .